عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
299
اللباب في علوم الكتاب
فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قذفك ، وثبت لك حدّ القذف عليه ، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلم ، يجب عليه إعلامه ، ولهذا بعث النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنيسا ليخبرها أن فلانا قذفها بابنه ، ولم يبعثه ليتفحص عن زناها وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه يسأله عن ذلك « 1 » . قوله : « وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً » . قال أكثر الصحابة والتابعين : إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي . وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح « 2 » : لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب « 3 » . وأدلة المذهبين مذكورة في كتب الفقه ، وهاهنا مبنية على أن الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجمل المتقدمة « 4 » ؟ فلذلك اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء : فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف ، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته ، سواء تاب بعد إقامة الحد أو قبله لقوله تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا » . وقالوا : الاستثناء راجع إلى الشهادة وإلى الفسق ، فبعد التوبة تقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق ، يروى ذلك عن عمر وابن عباس ، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار « 5 » والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري ، وبه قال مالك والشافعي . وذهب قوم إلى أن شهادة « 6 » المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب ، وقالوا : الاستثناء يرجع إلى قوله : « وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » وهو قول النخعي وشريح « 7 » وأصحاب الرأي . وقالوا : بنفس القذف ترد شهادته ما لم يحد . قال الشافعي : هو قبل أن يحد شر منه حين يحد ، لأن الحدود كفارات ، فكيف تردون شهادته في أحسن حالته وتقبلونها في شر حالته . وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة .
--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) هو الحسن بن صالح أبو محمد الواسطي ، عرض على مردويه أبي عبد الرحمن الجمال ، وعلى أبي عون صاحب قالون ، روى القراءة عنه عبد اللّه بن الحسين . طبقات القراء 1 / 216 . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 161 . ( 4 ) تقدم قريبا قبل صفحات . ( 5 ) هو سليمان بن يسار أبو أيوب الهلالي المدني مولى ميمونة أم المؤمنين ، وهو أخو عطاء وعبد الملك وعبد اللّه تابعي جليل ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن . مات سنة 107 ه . طبقات القراء 1 / 318 . ( 6 ) في الأصل : الشهادة . ( 7 ) هو شريح بن الحارث الكندي . كان يكنى أبا أمية استقضاه عمر - رضي اللّه عنه - على الكوفة . ولم يزل بعد ذلك قاضيا خمسا وسبعين سنة ولذا يعرف بالقاضي . مات سنة 80 ه . المعارف 433 - 434 .